خريطة الموقع الإثنين 26 يونيو 2017م
الأول + الآخر + الظاهر + الباطن  «^»  العفو  «^»  البر  «^»  التواب  «^»  التفسير الموضوعي لسورة الرعد 5  «^»  التفسير الموضوعي لسورة الرعد 7  «^»  التفسير الموضوعي لسورة الرعد 11  «^»  التفسير الموضوعي لسورة الرعد 8  «^»  التفسير الموضوعي لسورة الرعد 15  «^»  التفسير الموضوعي لسورة الرعد 6 جديد واحة الصوتيات
.ooOoo. تسعة دروس ضمن سلسلة شرح أسماء الله الحسنى للدكتورة نوال العيد .ooOoo. محاضرة كيفية نصرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم للدكتورة نوال العيد .ooOoo. محاضرة أسرار الدعاء للدكتورة ريم الباني .ooOoo. ثلاثة دروس في التفسير الموضوعي لسورة يوسف للأستاذة ميادة الماضي .ooOoo. مقتبسات من تفسير سورة النور والفرقان للدكتورة فلوة الراشد .ooOoo. أربعة عشر درساً في التفسير الموضوعي لسورة الرعد للأستاذة ميادة الماضي .ooOoo. أربعة دروس ضمن سلسلة شرح أسماء الله الحسنى للدكتورة نوال العيد .ooOoo.

جـديـد الـمـوقـع


الواحات
واحة المقالات
مقالات الدكتورة نوال العيد
أولئك لهم الأمن 3

د.نوال العيد


ربط الله تعالى بين الإيمان والتوكل فاشترط للإيمان تفويض الأمور إليه، والاعتماد عليه فقال: (وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) وأخبر تعالى عن رسله بأن التوكل كان ملجأهم ومعاذهم قال تعالى: (وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا)

يقول ابن القيم في مدارج السالكين (2/127): "والعبد آفته: إما من عدم الهداية أو عدم التوكل، فإذا جمع التوكل إلى الهداية فقد جمع الإيمان كله" ولذا جاء من صفات السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب أنهم على ربهم يتوكلون، كما أخرج البخاري في صحيحه (5/2157).

وأخرج الترمذي في السنن (4/573) وابن ماجه في السنن (2/102) من حديث عمر مرفوعاً: "لو أنكم كنتم تتوكلون على الله حق توكله لرزقتم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً" قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح. وقال الألباني في صحيح سنن الترمذي (4/573): "صحيح".

·وتحقيق التوكل يكون بأمور عدة منها:

من كان يؤمن بالله وصفاته كان توكله على الله أصلح وأقوى والمؤمن يفوض أمره لمن علم كمال حكمته ورحمته ولطفه وحسن اختياره، ويتوكل على من هو أرحم عليه من والدته، على من لا تبديل لكلماته، ولا راد لحكمه، والمؤمن عبد محض، والعبد المحض لا يسخط من جريان أحكام سيده البار المحسن بل يتلقاها كلها بالرضى به وعنه، والمؤمن محب صادق والمحب الصادق: من رضي بما يعامله به محبوبه. والعبد جاهل بعواقب الأمور، وسيده أعلم بمصلحته وبما ينفعه (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) والمؤمن يعلم أن حظه من المقدور ما يتلقاه به من رضي وسخط فلابد له منه، فإن رضى فله الرضى وإن سخط فله السخط، فتوكل على الرزاق القوي الكريم البر الرحيم على من خزائنه ملأى لا تفضيها النفقة، ويده ممدودة بعطائها آناء الليل والنهار.

الأخذ بالسبب دون الاعتماد عليه، فالمريض يتناول الدواء للشفاء ولا يعتمد عليه بل يفوض أمره لله، والتجرد من الأسباب ممتنع عقلاً وشرعاً وحساً، وما أخل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بشيء من الأسباب فقد ظاهر يوم أحد بين درعين كما أخرج أبو داود (3/31) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (3/31) وأخرج البخاري في صحيحه (5/2048) من حديث عمر أن النبي – صلى الله عليه وسلم – كان يبيع نخل بني النفير، ويحبس أهله قوت سنتهم. وهو سيد المتوكلين. وكان إذا سافر في جهاد حمل الزاد والمزاد. فالتوكل لا يتم إلا برفض الأسباب عن القلب، وقيام الجوارح بها، فيكون منقطعاً منها متصلاً بها، فاعتمد على الله وأستند إليه فإنه نعم الوكيل، ونعم المولى والنصير، وشبه ابن القيم في كتابه مدارج السالكين (2/1272) المؤمن بالطفل الرضيع الذي لا يعرف شيئاً إلا ثدي أمه يأوي إليه، وكذلك المتوكل لا يأوي إلا إلى ربه سبحانه.

حسن الظن بالله عز وجل، فعلى قدر حسن ظنك بربك ورجائك له يكون توكلك عليه، ولذلك فسّر بعضهن التوكل بحسن الظن بالله. والتحقيق: أن حسن الظن بالله يدعو العبد إلى التوكل عليه. إذ لا يتصور التوكل على من ساء ظنك به، ولا التوكل على من لا ترجوه، وجاء في الحديث القدسي: أنا عند حسن ظن عبدي بي" الذي أخرجه البخاري في صحيحه (6/2694). وكلما كان العبد حسن الظن بالله حسن الرجاء له صادق يتوكل عليه فإن لا يخيب أمله فيه البتة، فإنه سبحانه لا يخيب أمل آمل ولا يضيع عمل عامل.

التفويض وهو روح التوكل وحقيقته، وهو إلقاء أموره كلها إلى الله، وإنزالها به طلباً واختياراً لا كرهاً واضطراراً، يقول ابن القيم في المدارج (2/122): "كتفويض الابن العاجز الضعيف المغلوب على أمره كله أموره إلى أبيه العالم بشفقته عليه ورحمته وتمام كفايته وحسن ولايته له وتدبيره له، فهو يرى أن تدبير أبيه له خير من تدبيره لنفسه وقيامه بمصلحته خير من قيامه لنفسه "وأفوض أمري إلى الله" والمفوض لا يفوض أمره إلى الله إلا لإرادته أن يقضي له ما هو خير له في معاشه ومعاده، وإن كان المقضي له خلاف ما يظنه خيراً فهو راض به.

ثمرة التوكل الرضا ومن عرّف التوكل بالرضا فقد فسره بأجمع ثمراته، وأعظم فوائده، فإنه إذا توكل الإنسان حق التوكل رضي بما يفعله وكيله.

يقول شيخ الإسلام: المقدور يكتنفه أمران: 1- التوكل قبله. 2- الرضا بعده، فمن توكل على الله قبل الفعل، ورضي بالمقضي له بعد الفعل، فقد قام بالعبودية. نقله عنه ابن القيم في المدارج (2/122). وهذا معنى قول النبي – صلى الله عليه وسلم – في دعاء الاستخارة: "اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم" فهذا توكل وتفويض. ثم قال: "فإنك تعلم ولا أعلم وتقدر ولا أقدر وأنت علام الغيوب" فهذا تبرؤ إلى الله من العلم والحول والقوة وتوسل إليه سبحانه بصفاته التي هي أحب ما توسل إليه بها المتوسلون، ثم سأل ربه أن يقضي له ذلك الأمر إن كان فيه مصلحته عاجلاً أو آجلاً وأن يصرفه عنه إن كان فيه مضرته عاجلاً أو آجلاً، فهذه حاجته التي سألها، فلم يبق عليه إلا الرضا بما يقضيه له، فقال: "واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به" وقد أخرج دعاء الاستخارة البخاري في صحيحه (1/391).

والتوكل على الله نوعان:

أحدهما: توكل عليه في جلب حوائج العبد وحظوظه الدنيوية، أو دفع مكروهاته ومصائبه الدنيوية.

والثاني: التوكل عليه في حصول ما يحبه هو ويرضاه من الإيمان واليقين والجهاد والدعوة إليه.

يقول ابن القيم في الفوائد (138): "وبين النوعين من الفضل ما لا يحصيه إلا الله، فمتى توكل عليه العبد في النوع الثاني حق توكله"، كفاه النوع الأول تمام الكفاية

قال تعالى: (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) واعلم أن الصفات الثلاثة المتقدمة على هاتين الصفتين مرتبة على أحسن جهات الترتيب: فالأولى: الوجل من عقاب الله، والثانية: الانقياد لتكاليف الله، والثالثة: الانقطاع بالكلية عما سوى الله. وهذه الثلاث متعلقة بالقلوب والبواطن، ثم انتقل منها إلى رعاية أحوال الظاهر، ورأس الطاعات المعتبرة وعمود الدين: الصلاة، فاحرص على أدائها في أوقاتها، جاء في حديث ابن مسعود سال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: "الصلاة على وقتها". قال: ثم أي؟ قال: "بر الوالدين". قال: ثم أي؟ قال: "الجهاد في سبيل الله". أخرجه البخاري في صحيحه (1/197) وتقدم ولا تتأخر فلا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله، أخرج مسلم في صحيحه (1/325) من حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم - رأى في أصحابه تأخراً، فقال له: "تقدموا فائتموا بي وليأتم بكم من بعدكم، لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله"

واحرص على فلاحك فإن يكون بخشوع صلاتك (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ). واعلم أنه ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها، واحذر صلاة المنافق الذي ذكر ربك حاله في كتابه فقال: (وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً) وقال – صلى الله عليه وسلم – عن صلاته، تلك صلاة المنافق يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقر أربعاً لا يذكر الله فيها إلا قليلاً" أخرجه الترمذي في جامعه (1/301) من حديث أنس بن مالك. وقال: حديث حسن صحيح. وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (1/301).

وتأمل أن أول ما تحاسب عليه يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت صلح سائر عملك، وإن فسدت فسد، فأتم نقصها بنوافل تؤديها تتقرب بها إلى خالقك وسيدك أخرج أبو داود في سننه (1/229) من حديث أبي هريرة مرفوعاً: "أول ما يحاسب الناس به يوم القيامة من أعمالهم الصلاة. قال: يقول ربنا عز وجل لملائكته، وهو أعلم، انظروا في صلاة عبدي أتمها أم نقصها، فإن كانت تامة كتبت له تامة، وإن كان انتقص منها شيئاً قال: انظروا هل لعبدي من تطوع، فإن كان له تطوع قال: أتموا لعبدي فريضته مـن تطـوعه، ثم تؤخـذ الأعمال على ذاكـم" وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (864)

ثم ذكر الحق جل وعلا الإنفاق وهو من عوامل تقوية الإيمان. والصدقة برهان على إيمان فاعلها وتصديقه لربه كما جـاء في الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه: (1/203) من حديث أبي مالك الأشعري عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: "الصدقة برهان". والإنفاق صفة من صفات المتقين: (وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء..) بل في آخر لحظة من لحظات العبد يتذكر العمل الصالح عموماً والصدقة خصوصاً، قال تعالى: (وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ)، يقول يحيى بن معاذ: عجبت ممن يبقي معه مالاً وهو يسمع قوله تعالى: (إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا..) وقد روى الترمذي في جامعـه (5/11) عن معاذ بن جبل، قال: كنت مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في سفر، فأصبحت يوماً قريباً منه ونحن نسير، فقال: "ألا أدلك على أبواب الخير:.. والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل من جوف الليل ثم تلا : (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي

والصدقة تفدي العبد من عذاب الله تعالى فإن الذنوب والخطايا تقتضي هلاك العبد، فتجيء الصدقة تفديه من العذاب وتفكه منه، ولهذا قال النبي – صلى الله عليه وسلم – في الحديث الصحيح لما خطب النساء يوم العيد: "يا معشر النساء تصدقن ولو من حليكن فإني رأيتكن أكثر أهل النار"، وقال أيضا: "ما منكم من أحد إلا وسيكلمه الله يوم القيامة ليس بين الله وبينه ترجمان، ثم ينظر فلا يرى شيئاً قدامه، ثم ينظر بين يديه فتستقبله النار، فمن استطاع منكم أن يتقي النار ولو بشق تمرة"

ولا ننسى أن الأعمال الصالحة من أهم العوامل المعينة على تقوية إيمان العبد، فتزود فإن خير الزاد التقوى، يقول ابن القيم في الفوائد (239): "السنة شجرة، والشهور فروعها، والأيام أغصانها، والساعات أوراقها، والأنفاس ثمرها، فمن كانت أنفاسه في طاعة، فثمرة شجرته طيبة، ومن كانت في معصية، فثمرته في حنظل، وإنما يكون الجذاذ يوم المعاد فعند الجذاذ يتبين حلو الثمار من مرّها"

واعلم – رحمك الله – أن الله أقطعك حياة، ازرعها بما شئت، فستجني ما غرسته يداك، يقول الحق جل وعلا: (مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِه)ِ

وهنا أنبه على أمور:

سابق إلى الطاعات، نافس أهلها عليها، يقول الله تعالى: (وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) وقوله: (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالأرْضِ..) وقال: (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ). وجاء في حديث أخرجه أبو داود (4/255) وصححه الألباني (4810) "التؤدة في كل شيء إلا في عمل الآخرة" واحذر أن تتأخر فيؤخرك ربك

داوم على عملك الصالح، واعلم أنما حرمت الطاعة بذنب أصبته، و"أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل" كما جاء عنه – صلى الله عليه وسلم – في حديث عائشة الذي أخرجه البخاري (5/2373).

فيا من كان للفرائض مؤدياً، وعلى النوافل مواظباً، وإلى حلق الذكر سابقاً، علام تأخرت؟ ولم للشيطان استسلمت؟ اعلم أن ما فعلت مؤشر على ضعف إيمانك، فارجع إلى عمل صالح وداوم عليه حتى تلقى ربك: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ)

اصدق مع الله في تقربك له يقربك إليه، أخرج البخاري في صحيحه (6/2694) من حديث أبي هريرة قال: قال النبي – صلى الله عليه وسلم -: من تقرب إلى الله شبراً تقرب إليه ذراعاً، ومن تقرب إليه ذراعاً تقرب إليه باعاً، ومن أتاه يمشي أتاه الله هرولة". يقول ابن القيم في الفوائد (286): "ليس للعبد شيء أنفع من صدقه مع ربه في جميع أموره، مع صدق العزيمة، فيصدقه في عزمه وفي فعله، قال تعالى: (فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ)، وصدق العزيمة: جمعها وجزمها وعدم التردد فيها، بل تكون عزيمة لا يشوبها تردد ولا تلوّم. فإذا صدقت عزيمته، بقي عليه صدق الفعل، وهو استفراغ الوسع وبذل الجهد فيه وأن لا يتخلف عنه بشيء في ظاهره وباطنه"

حضور مجالس الذكر وحلق العلم: إن حضور مجالس الذكر ودروس العلم يقوي إيمان العبد، ويزيد صلته بربه، واستمع لأمر ربك: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ..) يقول الشيخ السعدي – رحمه الله – (1/475): "يأمر الله نبيه – صلى الله عليه وسلم – وغيره أن يصبر نفسه مع المؤمنين العباد المنيبين (الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِي) أي: أول النهار وآخره، يريدون بذلك وجه الله، فوصفهم بالعبادة والإخلاص فيها، ففيها الأمر بصحبة الأخيار ومجاهدة النفس على صحبتهم ومخالطتهم وإن كانوا فقراء فإن في صحبتهم من الفوائد ما لا يحصى" وأخرج مسلم في صحيحه (4/2106) من حديث حنظلة الأسيدي وكان من كتاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: لقيني أبو بكر فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قال: قلت نافق حنظلة قال: سبحان الله ما تقول قال: قلت: نكون عند رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عند رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيراً. قال أبو بكر: فوالله إنا لنلقي مثل هذا، فانطلقت أنا وأبوبكر حتى دخلنا على رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، قلت: نافق حنظلة يا رسول الله،فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وما ذاك، قلت يا رسول الله تكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيراً، فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم –: " والذي نفسي بيده إن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم ولكن يا حنظلة ساعة وساعة" ثلاث مرات

قال المباركفوري في تحفة الأحوزي (7/184): "(لو تدومون) أي في حال غيبتكم مني (على الحال التي تقومون بها من عندي) أي من صفاء القلب والخوف من الله تعالى (لصافحتكم الملائكة)". وتأمل هذا الحديث وما ذكره الله عن أهل الجنة في كتابه: {قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ{

ولذا شرط رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لحلاوة الإيمان ثلاثة شروط كما أخرج البخاري في صحيحه (1/14) من حديث أنس مرفوعاً: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا الله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار"

وتذكر أن العلم هو ميراث الأنبياء، وهو الذي جعل الحق أهله شهوداً على وحدانيته: (شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ) والعلم والإيمان توأمان، ولهذا قرن بينهما سبحانه في قوله: (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ)

وقال: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ..). واعلم – وفقك الله – أن أفضل ما اكتسبته النفوس وحصلته القلوب، ونال به العبد الرفعة في الدنيا والآخرة هو العلم والإيمان. فمن أخلص لله الطلب وفق الإيمان يجد حلاوته في قلبه

الدعوة إلى الله تعالى:

"إن من أهم عوامل تقوية إيمان العبد دعوته خلق الله إلى طريق الله المستقيم، "وقد أقسم تعالى بالعصر الذي هو الليل والنهار محل أفعال العباد وأعمالهم أن كل إنسان خاسر، والخاسر ضد الرابح، والخسارة مراتب متعددة متفاوتة، وعمم الله الخسارة لكل إنسان إلا من اتصف بأربع صفات: الإيمان بما أمر الله بالإيمان به، ولا يكون الإيمان بدون العلم فهو فرع عنه لا يتم إلا به، والعمل الصالح وهذا شامل لأفعال الخير كلها الظاهرة والباطنة المتعلقة بحقوق الله، وحقوق عباده الواجبة والمستحبة، والتواصي بالحق الذي هو الإيمان والعمل الصالح، أي يوصي بعضهم بعضاً بذلك ويحثه عليه ويرغبه فيه، والتواصي بالصبر على طاعة الله وعن معصية الله وعلى أقدار الله المؤلمة، فبالأولين يكمل العبد نفسه، وبالأمرين الأخيرين يكمل غيره، وبتكميل الأمور الأربعة يكون العبد قد سلم من الخسارة، وفاز بالربح العظيم"

قال الشيخ السعدي في تفسيره (934) هب – رحمك الله – أنك مررت بمريض معك دواؤه، وأنت عالم بدائه، فأعرضت عنه صفحاً، وما باليت به، جزماً أنك ستتهم نفسك، إن مرضى القلوب بيننا كثر، وأنت تعلم أن علتهم إما من شبهة أو شهوة، وقد علمت من علاجها ما علمت، فعلام لا تسقيهم كأساً من دواء توقن بنتيجته، لقد أمر الله أنبياءه أن يأمروا أممهم أن يكونوا معلمي الناس الخير: (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللّهِ وَلَكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ)

يقول ابن القيم في زاد المعاد (3/10): وإن السلف مجمعون على أن العالم لا يستحق أن يسمى ربانياً حتى يعرف الحق ويعمل به ويعلّمه، فمن علم وعمل وعلّم فذاك يدعى عظيماً في ملكوت السموات والأرض" بل إن المؤمن يحمل همَّ دعوة الناس في حياته حتى وبعد مماته، قال تعالى عن الرجل الصالح الذي أكرمه ربه بدخول جنته: (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ) فحمل هم دعوتهم حيّاً وميتاً... والطفيل بن عمرو الدوسي لما سمع الحق وآمن به، قال للحبيب – صلى الله عليه وسلم -: "يا محمد إن قومك جاؤوني فقالوا لي كذا وكذا، فأخبرته بما قالوا، وقد أبى الله إلا أن أسمعني منك ما تقول، وقد وقع في نفسي أنه حق فاعرض علي دينك" فعرض عليه الإسلام فأسلم ثم قال: "إني أرجع إلى دوس وأنا فيهم مطاع وأدعوهم إلى الإسلام لعل الله أن يهديهم". سير أعلام النبلاء (1/345). إن همة الطفيل أبت عليه بعد سماعه للحق أن لا يدعو إليه قومه، فاستأذن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في ذهابه إليهم، ودعوتهم. فأين همتك؟! وكم نفع الله بك؟ فبقدر ما تزكي ثمرة علمك، يضاعفه الله لك

الدعاء:

أخرج الحاكم في المستدرك (1/45) من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – "إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب، فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم" وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير (1590)

وأخرج مسلم في صحيحه (4/1994) من حديث أبي ذر عن النبي – صلى الله عليه وسلم – فيما يرويه عن ربه أنه قال: "يا عبادي كلكم مذنب إلا من عافيت فاستغفروني أغفر لكم، ومن علم أنني أقدر على المغفرة فاستغفرني بقدرتي غفرت له ولا أبالي، و كلكم ضال إلا من هديت فاستهدوني أهدكم..." الحديث. فالهداية والإيمان من عند الله وبيده، فاطلبها من كريم، وأبشر بالإجابة، وادع ربك خوفاً وطمعاً، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "إني لا أحمل هم الإجابة، ولكن أحمل هم الدعاء، فإذا ألهمت الدعاء علمت أن الإجابة معه"

الزهد في الدنيا والإعراض عن أهلها: فاحذر الدنيا وابتعد عنها، وتأمل وصف ربك لها، وصفها بزهرة، وأسرع ما يذبل في الشجر زهرها: (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا). وبأنها متاع الغرور (وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ) تفتن بزخرفها، وتخدع بغرورها، وتفر بمحاسنها، ثم هي متنقلة ومنتقل عنها إلى دار القرار، ووصفها بأنها لعب ولهو تلهو بها النفوس، وتلعب بها الأبدان، واللعب واللهو لا حقيقة لهما، وأنهما مشغلة للنفس، مضيعة للوقت، يقطع بها الجاهلون أوقاتهم فيذهب ضائعاً في غير شيء، يقول تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} فزهد الله عباده في الدنيا، وأخبر بخستها وقلتها وانقطاعها وسرعة فنائها، والترغيب في الآخرة، والإخبار بشرفها ودوامها، فإذا أراد الله بعبد خيراً أقام في قلبه شاهداً يعاين به حقيقة الدنيا والآخرة ويؤثر منهما ما هو أولى بالإيثار"

وأخرج الطبراني في معجمه الكبير (8/299) من حديث الضحاك بن سعيان قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: "يا ضحاك، ما طعامك؟" قلت: اللحم واللبن. قال: "ثم يصير إلى ماذا؟" قلت: يصير إلى ما قد علمت، فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: "إن الله عز وجل ضرب ما يخرج من ابن آدم مثلاً للدنيا" وحسنه الألباني في صحيح الجامع (1739). وتأمل إلى المشبه والمشبه به ثم تعرف على وجه الشبه، فإن الخبث إذا احتبس في بطن العبد أدى به إلى الوفاة، وكذلك الدنيا إذا احتبست في قلب العبد قادته إلى الهلاك (أموات غير أحياء) وما يخرج من ابن آدم كان أوله طيباً لذيذاً ثم صار آخره نتناً خبيثاً، وهذا حال العبد مع الدنيا، وقد أخبر النبي – صلى الله عليه وسلم – أنها لو ساوت عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء، وأنها أهون على الله من السخلة الميتة على أهلها، وأن مثلها في الآخرة كمثل ما يعلق بأصبع من أدخل أصبعه في البحر، وأنها ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالم متعلم، وأنها سجن المؤمنين وجنة الكافرين. وأمر العبد أن يكون فيها كأنه غريب أو عابر سبيل، ويعد نفسه من أهل القبور، وإذا أصبح فلا ينتظر المساء، وإذا أمسى فلا ينتظر الصباح، ونهى عن اتخاذ ما يرغب فيها، ودعا على عبد الدنيا والدرهم بالتعس والانتكاس وعدم إقالة العثرة بالانتقاش

وأخبر أن الحرص عليها وعلى الرئاسة والشرف يفسد الدين كإفساد الذئبين الضاريين إذا أرسلا في زريبة غنم أو أشد إفساداً، فأكمل الناس فيها لذة من جمع بين لذة القلب والروح ولذة البدن، فهو يتناول لذّاته المباحة على وجه لا ينقص حظه من الدار الآخرة،ولا يقطع عليه لذة المعرفة والمحبة والأنس بربه، فهذا ممن قال تعالى فيه: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَة)، وأبخسهم حظاً من اللذة من تناولها على وجه يحول بينه وبين لذات الآخرة، فيكون ممن يقال فهم يوم استيفاء اللذات: (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا) فهؤلاء تمتعوا بالطيبات، وأولئك تمتعوا بالطيبات، وافترقوا في وجه التمتع: فأولئك تمتعوا بها على الوجه الذي أذن لهم فيه، فجمع لهم بين لذة الدنيا والآخرة، وهؤلاء تمتعوا بها على الوجه الذي دعاهم إليه الهوى والشهوة، وسواء أُذِن لهم فيه أم لا، فانقطعت عنهم لذة الدنيا وفاتتهم لذة الآخرة، فلا لذة الدنيا دامت لهم، ولا لذة الآخرة حصلت لهم

وبعد وقفة سريعة مع عوامل تقوية الإيمان، أوصيك ـ أيّها القارئ الكريم ـ بوصايا فاحفظها ثم ترجمها إلى واقع تعايشه وتأنس به وتقطف ثمرته:

اعزم على قراءة كتاب في أسماء الله وصفاته، وقد ذكرت بعضها فيما تقدم

حدد لك ورداً من كتاب الله تقرؤه وتفهم معانيه وتحفظه وتقوم به في صلاتك

أكثر من الطاعات ما استطعت، وسابق إليها، واعلم أن الصلاة كانت عليك كتاباً موقوتاً، وأتمها بالنوافل. وصيامك جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، والحج والعمرة ينفيان الذنوب كما تنفي النار خبث الحديد

احرص على قراءة أذكار الصباح والمساء في أوقاتها، فإنها زاد لقلبك، فلا تحرمه زاده

احرص على أن يراك ربك فيما يحب، وإن مما يحب حلق الذكر، فاثنِ ركبك فيها "فإن لها قوما لا يشقى بهم جليسهم"

كن ممن تضع الملائكة أجنحتها له، وابحث عن طرق الجنة، وتعلم علماً يرفعك ربك به درجات

احرص على الدعاء فإنه يعتلج والقضاء، وأيّهما سبق وقع، وأكثر ما يسبق الدعاء، فاسأل الله أن يحبب إليك الإيمان ويزينه في قلبك، ويكره إليك الكفر والفسوق والعصيان ويجعلك من الراشدين

وفي خاتمة المطاف تذكر قول ربك: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)

يقول ابن القيم في الفوائد (140): "فتضمّنت هذه الآية أموراً، منها: أن الحياة النافعة إنما تحصل بالاستجابة لله ورسوله، فمن لم تحصل له الاستجابة، فلا حياة له، وإن كانت له حياة فهي بهيمية مشتركة بينه وبين أرذل الحيوانات. فالحياة الحقيقية الطيبة هي حياة من استجاب لله والرسول ظاهراً وباطناً، فهؤلاء هم الأحياء وإن ماتوا، وغيرهم أموات وإن كانوا أحياء الأبدان

نشر بتاريخ 22-04-2009  


أضف تقييمك

التقييم: 5.09/10 (2564 صوت)


 

القائمة الرئيسية

القائمة البريدية

أوقات الصلاة
استعلم عن مدينة اُخرى

Powered byبرنامج الموقع الشامل انفنتيv2.0.5
Copyright © dciwww.com
Copyright © 2008 www.alwa7at.net - All rights reserved


الواحات | واحة الصوتيات | الرئيسية