إن لكل ثقافة تاريخها المعبر عن تجربتها ، وطبيعة نظرتها للوقت ، ودورة الزمن ،
المستندة إلى مجموعة النصوص و القيم والمعايير التي تؤمن بها ، وتستمد منها الحاضر والمستقبل في ضوء الماضي .
وتأتي الأيام ليترجم الناس معتقداتهم إلى واقع حياة ، وينقلوا قيمهم من خلال ممارستهم من النظرية إلى التطبيق ،
ويستقبل العالم بعد عدة أيام عاشوراء العاشر من محرم ، ومن الطرائف في تسميته أنه لم يسمع في أمثلة الأسماء اسم على فاعولاء إلا أحرف قليلة كما قال ابن منظور،
وعاشوراء واحد منها ، وكذا اجتماع ثقافات مختلفة حول هذا اليوم مما يقل ويندر ، فاجتمع لهذا التأريخ صيغة تقل ، واجتماع عقائد يندر .
هذا اليوم اجتمعت فيه أحداث عدة : نصر الله لنبيه موسى عليه السلام على فرعون وملأه ،
ومقتل سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسين بن علي رضي الله عنهما هذا ما ثبت في كتب الحديث والسير ،
ويورد بعض المفسرين مرويات في وقوع مناسبات في هذا اليوم لم تثبت .
والذي يعنينا من هذا كله قراءات الناس المختلفة لهذا اليوم ، وشعائرهم الناتجة عن ذلك ، فاليهود في عصر النبوة وكما تنقل كتب
الحديث المعتمدة كانوا يصومونه بل ويعدونه عيدا ، ويلبسون نساءهم فيه الحلي والشارات أي :ا للباس الحسن ، ويعللون فعلهم بقولهم
" هذا اليوم أظهر الله فيه موسى وبني إسرائيل على فرعون فنحن نصومه تعظيما له " وعظمه النصارى تبعا لهم .
ومازال هذا اليوم يوسم لدى اليهود بيوم كيبور أو عيد الغفران ويعتقدون قداسته ، ويخصونه بالصلاة والصيام ، كما يصاحب
هاتين الشعيرتين طقوس لاتختفى على المتخصصين في علم الأديان ، ويختلفون في تقديمه أو تأخيره .
وأما المسلمون فاختلفت قراءتهم لهذا اليوم فنجد الشيعة يرونه يوم ثورة المظلوم على الظالم ، وانتصار الدم على السيف ،
ولاشك أن هذا معنى حسن ، فمقتل سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم مصاب عظيم وخطب جلل ، وفقد سيد شباب
الجنة ليس بالأمر الهين ، إلا أن هذا لايبرر الممارسات السلبية التي تتمثل في جلد الذات بالتسويط والتطيير واللطم والصراخ ،
وتوشح السواد ، ونزف الدم ، وإعلان الأخذ بالثأر، وإدخال من لاذنب له مع ذوي الذنوب ، ، مع أن المتقرر في النص الشرعي
أن إحداث الجزع والنياحة للمصائب القديمة منهي عنه ، وهل لو كان الحسين بن علي ـ رضي الله عنه ـ يرى ما أحدثه القوم سيقر
أم سينكر ؟؟؟ وما الذي يعنيه التنافس المحموم من القنوات الفضائية الغربية لنقل مراسم العزاء ومايدور في الحسينيات في هذا اليوم ،
والتقرير على أن هذا هو الإسلام ، وتلك هي ممارسة معتنقيه .
ويقابل هذا العزاء احتفال من طوائف يرونه يوم فرح ، فيظهرون مراسم الاحتفال ، ويستحبون فيه الاكتحال والاغتسال والتوسعة
على الأهل والعيال ، بل ويروون أحاديث مكذوبة في فضائل مايمارسونه .
وأما أهل السنة فيقتفون فيه الأثر المحمدي ، ويلتزمون الهدي النبوي فيصومونه معتقدين فيه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم
" أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله " معللين صومهم بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " نحن أولى بموسى منكم فأمر بصومه "
مترجمين مظاهر فرحهم بالعبودية ، مبتعدين عن كل ما لم يثبت به النص ، أو كان من اجتهادات البشر ، أسأل الله أن يتقبل الصيام ،
وأن يوفقنا لاتباع السنة ، وأن يجعله عاما قادما بالنصر والعزة .